محمد جمال الدين القاسمي
327
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن وباله عليهم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك . ولما أنزل تعالى فصل القضية وجلّاها لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، امتنّ عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال بقوله وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي : القرآن والسنة وَعَلَّمَكَ من أمور الدين والشرائع ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أي : قبل نزول ذلك عليك . كقوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ . . . [ الشورى : 52 ] الآية . وقال تعالى : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ القصص : 86 ] . ولهذا قال تعالى : وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً أي : فيما علمك وأنعم عليك . قال الرازيّ : هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب . ثم أشار تعالى إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيّتون ما لا يرضى من القول . بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 114 ] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 114 ) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ أي : مساررتهم . والسياق ، وإن دل على مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض ، إلا أنها في المعنى عامة . والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث . ثم استثنى النجوى في أعمال الخير بقوله سبحانه إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أي : إلا في نجوى من أمر ، بخفية عن الحاضرين ، بصدقة ليعطيها سرا ، يستر به عار المتصدّق عليه أَوْ مَعْرُوفٍ أي : بطاعة اللّه . وأعمال البر كلها معروف . وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو جهر به أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يعني الإصلاح بين المتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع . على ما أذن اللّه فيه وأمر به . وسر النجوى فيه أنه لو ظهر أولا ربما لم يتم . قال المهايميّ : قيل في الحصر : الخير إما نفع جسمانيّ وهو في الأمر بالصدقة . أو روحانيّ وهو في الأمر بالمعروف . وإما دفع وهو في الإصلاح ويمكن أن يقال : الخير إما نفع متعد من المأمور وهو الصدقة . أو لازم له وهو المعروف . أو دفع ضرر